العودة للصفحة الرئيسية

الهجوم على الرسول نفسه وإجراء المفاوضات معه بعد ذلك
وعقدت قريش اجتماعا تاريخيا لتوحيد الهجوم علي الرسول، كان المشركون يتهمونه مرة بأنه ساحر، ومرة بأنه كاهن، ومرة بأنه شاعر، ومرة بأنه مجنون.. واتفقت الكلمة في اجتماعهم يومئذ علي إلصاق تهمة السحر به.. واستند المؤتمر الشهير الذي تزعمه الوليد بن المغيرة علي رمي الرسول بالسحر، لأنه يفرق بين الأخ وأخيه، والمرء وزوجته.. وصنع ملوك الكراهية والظلام من أنفسهم فِرقا تحذر القادمين إلي مكة من ساحر يدعي محمد.. ساحر خرج علي قومه وأهله وعشيرته الذين يعبدون ما كان يعبد آباؤهم، واضطروا الرسول إلي أن يغرض نفسه علي الخلق في المواقف فيقول:
- ألا رجل يحملني إلي قومه، فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي؟
رغم هذا كله، وربما بسبب هذا كله.. استمرت الدعوة الإسلامية.. تنتشر ببطء وعمق، وراحت كلمات النبي، عليه الصلاة والسلام تنعش ذاكرة العهد... وتضع الناس في نفس الموقف الذي كانوا عليه يوم أخذ الله عليهم عهده وهم ذرات في ظهر آدم:
(ألَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَي)..سورة الأعراف
ازداد عدد المسلمين.. وأحست قريش الخوف.. ورأت أن تجرب أسلوبا آخر: ماذا لو لجأت إلي المهادنة والمفاوضات؟ وأرسلت قريش عتبة بن ربيعة، وهو رجل يتصف بالعقل والرزانة بين قومه، ليفاوض الرسول.
قال عتبة لرسول الله: يا بن أخي.. إنك ما حيث قد علمت من المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا لعلك تقبل بعضها.
قال الرسول: تكلم يا عتبة.
قال عتبة: إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتي تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد شرفا سودناك علينا فلا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا أموالنا حتي تبرأ.
انتهي عتبة من كلامه.. وانتظر رَدَّ النبي. قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم:
حم {1} تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ{2} كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ {3} بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ {4} وَقَالُوا قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ {5} قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَي إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ {6} الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ {7} إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ {8} قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ في يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ {9} وَجَعَلَ فيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فيهَا وَقَدَّرَ فيهَا أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ {10} ثُمَّ اسْتَوَي إِلَي السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ {11} فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ في يَوْمَيْنِ وَأَوْحَي في كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ {12} فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ {13}.. سورة فصلت
انتهي الرسول من رده علي عتبة، وهو رد آثر أن يواجه العروض والمغريات والمفاوضات بجزء من سورة "فصلت".. وهي إحدي سور القرآن الذي نزل به الروح الأمين عليه السلام. نهض عتبة حين وصل الرسول إلي قوله تعالي:
(فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ)...
نهض عتبة فزعا منصرفا إلي قريش، كأن صواعق الدنيا في أثره.. وحين وصل إلي قريش، اقترح عليهم أن يتركوا محمدا وشأنه..