العودة للصفحة الرئيسية

حصار المسلمين والمعاهدة القاسية
وأدرك الخوف سادة قريش المشركين، وتقرر أن تنتقل الحرب مع المسلمين من مرحلة الاستهزاء والاضطهاد، إلي مرحلة جديدة كل الجدة..
تقرر حصار المسلمين اقتصاديا وإنسانيا..
عقد المشركون معاهدة لحصار المسلمين، وعلقوا المعاهدة في جوف الكعبة احتراما لنصوصها، وكان المشركن يوقرون الكعبة رغم أنهم يملئونها بالأصنام التي يعبدونها لتقربهم من الله زلفي، وكانت نصوص المعاهدة تقضي بألا يبيع أهل مكة للمسلمين أو يبتاعوا منهم شيئا، وألا يزوجوهم أو يتزوجوا منهم.
وبهذه المعاهدة القاسية، تقرر نبذ المسلمين وقتلهم اقتصاديا..
واضطر الرسول ومن آمن معه إلي اللجوء لحي بني هاشم، وانحاز إليهم بنو عبد المطلب، كافرهم ومؤمنهم باستثناء عدو الله أبي جهل، فقد وقف مع قريش ضد قومه.
وبدأ تضييق الحصار علي المسلمين، وانقطع عنهم الطعام والشراب، حتي بلغ الجهد أقصاه.. كان الصحابة إذا قدمت قافلة إلي مكة، وذهب أحدهم إلي السوق ليشتري الطعام لعياله، قام أبو لهب يقول للبائع، يا معشر التجار غالوا علي أصحاب محمد حتي لا يبتاعوا منكم شيئا، وأنا ضامن أن لا خسارة عليكم، فسوف أبتاع منكم ما يعجزون عن شرائه.
ويغالي التاجر في السعر أضعافا مضاعفة حتي يرجع المسلم إلي عياله وليس في يده من القوت شيء. ثم يذهب التجار إلي أبي لهب فيشتري منهم بالأسعار التي عجز المسلمون عن الشراء بها. واستمرت الحرب حتي تعب المؤمنون وجاعوا وتعروا..
كم تظن الوقت الذي استغرقته الحرب الاقتصادية.. استغرقت هذه الحرب ثلاث سنوات كاملة.. حتي بلغ الأمر بسعد بن أبي وقاص أنه خرج يوما ليقضي حاجته، فسمع قعقعة تحت البول، فإذا قطعة من جلد بعير يابسة، فأخذها وغسلها، ثم أحرقها وفتتها وسفها بالماء.. كانت طعامه ثلاثة أيام. وخلال هذه السنوات الثلاث، كان الوحي يتنزل علي الرسول متجاهلا هذا البلاء العنيف.
وكان الله يربي أتباع دينه علي احتمال كل الظروف. ورغم أن ضائقة المسلمين استمرت ثلاث سنوات، لم يتوقف نشاط الإسلام ولا خمد توهجه أو قل انتشاره.
كان المسلمون يلقون غيرهم في مواسم الحج، فيحدثونهم عن الله، ويدعونهم إلي رحمته ومغفرته، ويزدادون تمسكا بما تضمه قلوبهم من الحق.. وشدت هذه الشجاعة والصلابة أنظار عديد من الناس، فدخلوا في الإسلام، وبدأ المشركون ينقسمون علي أنفسهم ويتساءلون عن صواب ما فعلوا.. وبدأت الغيرة علي الحق تغزو القلوب. كما لعبت عصبيات القرابة بين غير المسلمين دورها، فأبطلت قريش الصحيفة، بعد جدال واختصام.
وانتهت الحرب الاقتصادية ضد المسلمين باجتيازهم لها، وصيرورتهم أقوي مما كانوا. فقد المسلمون وفقد أطفالهم كثيرا من الوزن، وصاروا أشباحا تسير في الطريق، ولكن عددهم يزيد، وإيمانهم يزيد، وثقتهم بالله تزيد..