ذهابه إلى الطائف ومعجزة الإسراء والمعراج
والمسافة بين مكة والطائف تزيد على سبعين كيلو متراً. سارها النبي صلي الله عليه وسلم على قدميه، ذهاباً وعودة.
لا نعرف أي أفكار عبرت ذهن رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو ذاهب يدعو هذه القبيلة الكافرة إلى الله. كل ما نعرفه أنه ذاهب إليهم يحمل رحمة الدنيا والآخرة، فلقوه لقاء الجاهلية، وأساءوا إليه وكذبوه. ومكث عشرة أيام يتردد على المنازل والأسواق والطرقات فلا يستمع إليه أحد، ولا يؤمن بدعوته أحد، ويزداد الناس تهجماً عليه واستهزاء به.
وجاء اليوم الأخير الذي قرر فيه أن يعود إلى مكة، ووقف النبي في الطائف ورجا من الناس أن يكتموا سر زيارته لهم حتي لا تزداد شماتة مكة في الإسلام وعداوتها له، ورفض أهل الطائف هذا الرجاء الأخير.
ولم يكتفوا بذلك، وإنما صنعوا به شر ما يصنع الإنسان بالإنسان. سلطوا العيال والحمقي والأوغاد والأوباش فوقفوا صفين يرمونه بالحجارة ويسخرون منه. وخرج النبي من الطائف والعيال والكبار يضربونه بالحجارة، وأصيب عليه الصلاة والسلام في قدميه، فسالت منهما الدماء، واضطره المطاردون إلى أن يلجأ لبستان يملكه اثنان من أغنياء الطائف. وهناك جلس تحت ظل كرمة فيه. وكان صاحبا البستان فيه فصرفا الأوباش عنه، ورق قلباهما لمرأى المطارد الجريح فأرسلا إليه عنقوداً من العنب مع خادم لهما، وكان خادمهما نصرانياً يُدعى عداس.
وضع الخادم عنقود العنب أمام الرسول، فمد الرسول يده إليه قائلا:
بسم الله الرحمن الرحيم
قال عداس للنبي: ليس هذا كلام أهل هذه البلدة.
سأل النبي: من أي البلاد أنت؟
قال عداس: أنا نصراني من نينوي.
قال النبي: أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متي؟
قال عداس: ما يدريك ما يونس؟
قال النبي: ذلك أخي. كان نبياً وأنا نبي.
أكب عداس على قدمى الرسول ويديه يقبلهما ويبكى..
كان هذا النصراني المؤمن هو الإضافة الوحيدة التي خرج بها الإسلام من الطائف، وهى إضافة دفع الرسول ثمنها أسبوعين من وقته وأمنه ودمائه التي سالت من حجارة الرعاع.
عاد الرسول إلي مكة. عاد مرفوضا من الطائف ليجد نفسه مرفوضا في مكة. رغم ذلك.. مضي القلب العظيم المثقل بالحزن في دعوته وجهاده. وكلما ازدادت حرب الكراهية والعناد زاد القلب من جهده ورحمته. وجاءت علي النبي أوقات بدا فيها الإسلام غريبا، وبدا فيها النبي وحيدا لا ناصر له..
وفي هذا الوقت بالتحديد.. حين بدا أن الناس قد تخلوا عن النبي.. تدخلت السماء ووقعت أعظم معجزات النبي صلي الله عليه وسلم.
وقعت معجزة الإسراء والمعراج..
وهى معجزة لا علاقة لها بالدعوة الإسلامية. لم تأت تأييدا لهذه الدعوة أو إثباتا لها. إنما جاءت تأييدا للنبي وحده.. وتشريفا له وحده.. وتكريما له وحده..
وكأنما أراد الحق عز وجل أن يقول للنبي:
إذا كان أهل الأرض لم يحمدوك.. فإن السماء تعرف لك قدرك من الحمد.
وإذا كان الناس يرفضون دعوتك، ويرفضونك، فإن الله عز وجل يجتبيك ويشرفك ويدعوك إليه ليريك من آياته الكبري.
تسطع معجزة الإسراء والمعراج.. في تاريخ الأنبياء.. كمعجزة فريدة لا مثيل لها في قصة نبي آخر.. لقد رأينا في الأنبياء من يسميهم الرحمن أحباءه وأخلاءه، كإبراهيم.. ورأينا في الأنبياء من يكلمهم الله تعالي بغير واسطة.. كموسي. ورأينا في الأنبياء من يؤيدهم الله تعالي بالروح القدس.. كعيسي.. لكننا للمرة الأولي أمام نبي يدعوه الله تبارك وتعالي إليه..
فيصعد مع جبريل بجسده وروحه حتي يقف جبريل عند مكانته ويتقدم نبينا وحده.
وتلك درجة من درجات التكريم التي تتوقف عندها الأقلام عجزا عن التعبير وإشفاقا من مجرد المحاولة.
ولقد رأينا في قصص الأنبياء نبيا يسأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتي، ويسأله الله ألم يؤمن بعد؟ ويرد إبراهيم بأنه مؤمن يريد أن يطمئن قلبه.
ولقد رأينا في قصص الأنبياء نبيا يندفع يحب الله فيسأله:
(رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ)...سورة الأعراف
ويرد الله علي موسي باستحالة الرؤية علي البشر يفهم الله موسي أن أي كيان مخلوق.. لا يحتمل تجلي الخالق عليه.
أما محمد بن عبد الله.. فلم يكن يسأل ربه معجزة أو خارقة.. لم يكن يسأل الله الرؤية ولم يكن يبحث عن طمأنينة قلبه. كان حبه لله تعالي من نوع يصعب علي كبار المحببين وصغارهم علي السواء فهمه أو إدراك أعماقه. ولم يكن حبه هذا من نوع يثير الأسئلة.. تجاوز حبه درجة السؤال إلي درجة الإسلام والرضا.
كان كل ما يقلق النبي هو رضا الله تعالي عنه. قال رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو يخرج مرفوضا مطرودا جريحا من الطائف: إن لم يكن بك غضب علي فلا أُبَالي.
انظر إلي درجة الحب، كيف أسلمته إلي ذروة التواضع، فهو يقول: إن لم يكن بك غضب علي.. كأنه لا يطمع في الرضا.. حسبه عدم الغضب..
لقد كان أدب الرسول صلي الله عليه وسلم مع ربه عز وجل هو الأدب اللائق بأول المسلمين وأكملهم.. ومن حق أول المسلمين وأكملهم أن يؤتي سؤله بغير أن يسأل.. وأن يكرم بغير أن يكرم بغير أن يتوقع.. وأن يجاب إلي ما سأله الأنبياء قبله فلم يجابوا إليه..
وتلك كانت معجزة الإسراء والمعراج وهي معجزة هدفها تكريم الرسول في شخصه. وهي معجزة تثير دوار العقل والقلب معا..
إن كل أنبياء الله بلا استثناء.. كانوا يؤيدون بمعجزات تقع علي الأرض.. حتي الأنبياء الذين رفعوا إلي السماء كإدريس وعيسي جاء رفعهم إنقاذا لهم من القتل أو الصلب.. وكانت معجزتهم في الرفع نهاية لنشاطهم علي الأرض.
وهذه هي المرة الأولي التي نلتقي فيها بمعجزة مكانها الرئيسي في السماء.. معجزة تتمثل في نبي يرفع إلي السماء بجسده وروحه وهو حي.. وهناك يريه الله من آياته الكبري، ثم يعود إلي الأرض، حيث يكون عرضة لما يتعرض له أهل الأرض من شقاء عام.
لقد كان محمد بن عبد الله.. هو أول بشر يتجاوز كوكب الأرض ويتجاوز الأقمار والشموس والنجوم والمجرات ويصعد.. ولقد شهدنا في عصرنا أول إنسان يرتاد الفضاء. وكان الفضاء الذي استطاع البشر بلوغه بعد 14 قرنا من نزول الرسالة المحمدية هو الفضاء بين الأرض والقمر.. أقرب كوكب إلي الأرض.. ومنذ أربعة عشر قرنا ارتاد نبي الإسلام الفضاء وتجاوزه عالما بعد عالم.. حتي وصل إلي سدرة المنتهي.. وصل إلي قمة المنتهي..
وصل إلي حيث ينتهي الكون المخلوق.. ويبدأ عالم الغيب. أليست الجنة جزءا من عالم الغيب. لقد وصل إلي الجنة.. وهي جنة يسميها الله جنة المأوي.. وصل إلي مستوي تنقطع عنده علوم الخلائق، ولا يدري حقيقته إلا الله.
ومعجزة الإسراء غير معجزة المعراج، وإن وقعا في ليلة واحدة.. ووردا بعد ذلك في سورتين مختلفتين في القرآن الكريم.
قال تعالي عن معجزة الإسراء في سورة (الإسراء):
)سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَي بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَي الْمَسْجِدِ الأَقْصَي الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)..
وقال تعالي عن معجزة المعراج في سورة (النجم):
(وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَي {13} عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَي {14} عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَي {15} إِذْ يَغْشَي السِّدْرَةَ مَا يَغْشَي {16} مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَي {17} لَقَدْ رَأَي مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَي {18}...
كان الموقف مزيجا من الجلال والمهابة والرحمة.. شاهد النبي ورأي أشياء يعجز اللسان عن التعبير عنها، وتفوق كل ما يحيط به فهم الإنسان وإدراكه..
ولقد تجاوز السياق القرآني عامدا ما رآه النبي- لأنه سر بين النبي وربه، ومعجزة خاصة بالنبي وتكريم لشخصه وحده- تجاوز السياق هذا ليؤكد أنه رأي من آيات ربه الكبري...
ونحن لا نعرف ماذا رأي النبي.. كل ما نستطيعه أن نتصور أن النبي سجد خشوعا لربه وبكي من الفرح.. ذهبت أحزان قلبه إلي الأبد، وسكنه عصفور الفرح الأزلي...
بعد أن رأي النبي السر.. بعد هذا التشريف والتعظيم، عاد النبي إلي البراق وركبه وانطلق به جبريل عليه السلام عائدا إلي الأرض.. عاد فوجد فراشه لم يبرد بعد.. كيف ذهب وجاء وفراشه لم يبرد بعد..؟ كم من الوقت استغرقته هذه الرحلة..؟ الله وحده هو العليم.. كل ما نعرفه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم عاد إلي فراشه بعد الإسراء والمعراج.. قلبه هو الفرح.. وصدره يمتلئ بسكينة راضية وفناء في الله مستطاب..
وجاء الصباح عليه... حدث النبي عن رحلته فآمن به من آمن، وكذبه من كذبه فلم يعبأ..