السعادة ليست فى المال
قال تعالى: ] يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ[ [هود 105/106].
ذلك اليوم يجتمع الخلق ]لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ[ حتى الأنبياء والملائكة الكرام، لا يشفعون إلا بإذنه ]فَمِنْهُمْ[ أي: من الخلق ]شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ[ فالأشقياء هم الذين كفروا بالله وكذبوا رسله وعصوا أمره، والسعداء هم: المؤمنون المتقون. وأما جزاء كل فريق منهم فهو معلوم إما الجنة وإما النار خالدين فيها.
فالسعادة إذن أن تكون من الذين يعبدون الله، مطمئن القلب بعبادته سبحانه وتعالى واعلم أنَّ السعادة فى الدنيا سعادة مؤقتة وزائلة لأن الحياة عند المسلم لا تنتهى بموته، فبعد الموت تنتظره الحياة الأبدية إما جنة وإما نار، تلك حياة الخلود التى يجب أن تعمل من أجلها.
من علامات السعادة والفلاح: أن العبد كلما زيد فى علمه زيد فى تواضعه ورحمته، وكلما زيد فى عمله زيد فى خوفه وحذره، وكلما زيد فى عمره نقص من حرصه، وكلما زيد فى ماله زيد فى سخائه وبذله، وكلما زيد فى قدره وجاهه زيد فى قربه من الناس وقضاء حوائجهم والتواضع لهم.
وعلامات الشقاوة: أنه كلما زيد فى علمه زيد فى كبره وتيهه، وكلما زيد فى عمله زيد فى فخره واحتقاره للناس، وحسن ظنه بنفسه، وكلما زيد فى قدره وجاهه زيد فى كبره وتيهه. وهذه الأمور ابتلاءً من الله وامتحان يبتلى بها عباده، فيسعد بها أقوام ويشقى بها أقوام.
وكذلك الكرامات امتحان وابتلاء، كالملك والسلطان والمال. قال تعالى عن نبيه سليمان لما رأى عرش بلقيس عنده قال تعالى: ]قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِراًّ عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ[ [النمل: 40] فالنعم ابتلاءً من الله وامتحان يظهر بها شكر الشكور وكفر الكفور. كما أن المحن بلوى منه سبحانه فهو يبتلى بالنعم كما يبتلى بالمصائب، قال تعالى: ]فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ[ [الفجر 15: 17] أي: ليس كل من وسعت عليه وأكرمته ونعمته يكون ذلك إكرامًا مني له. ولا كل من ضيقت عليه رزقه وابتليته يكون ذلك إهانة منى له.
أنواع النعم:
نعمة حاصلة يعلم بها العبد، ونعمة منتظرة يرجوها، ونعمة هو فيها لا يشعر بها. فإذا أراد الله إتمام نعمته على عبده عرفه نعمته الحاضرة وأعطاه من شكره قيدًا يقيدها به حتى لا تشرد. فإنها تشرد بالمعصية وتقيد بالشكر ووفقه لعمل يستجلب به النعمة المنتظرة.
أعرابى يعرف النعم لهارون الرشيد: يُحكى أن أعرابيًا دخل على الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين ثبَّت الله عليك النعم التى أنت فيها بإدامة شكرها، وحقق لك النعم التى ترجوها بحسن الظن به ودوام طاعته وعرفك النعم التى أنت فيها ولا تعرفها لتشكره، فأعجبه ذلك منه فقال ما أحسن تقسيمه.
وقالوا من ترك لله شيئًا عوضه الله خيرًا منه حق، والعوض أنواع مختلفة وأجلّ ما يعوض به هو الأنس بالله ومحبته وطمأنينة القلب به وقوته ونشاطه وفرحه ورضاه عن ربه تعالى. وتلك تمام السعادة.
ومن سبل تحقيق السعادة فى الدنيا والآخرة:
1- بذكر الله قال تعالى: ]ألا بذكر الله تطمئن القلوب[ بلى بذكر الله تطمئن القلوب.
2- بالاستغفار: قال تعالى: ]وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ[ [هود 52] فالاستغفار يحصل الرزق ويمد العبد بالقوة.
وقال تعالى: ]يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً[ [نوح 10/12].
وأيضًا فالاستغفار بنص الآية سببًا لجلب الرزق وإنجاب الأولاد بل والراحة والسعادة، وثقتك بالله بأن هو النافع وهو الضار، وسعيك فى الدنيا لقضاء مصالحك بجوارحك مع التسليم من القلب بأن كل شيء بأمر الله بذلك تتحقق لك العزة والكرامة والرضا بما قسم الله لك. قال تعالى: ]وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ[ [التكوير 29].
3- اتباع منهج الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بقدر المستطاع - قال تعالى: ]فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[ [التغابن 16] يحقق لك العزة والكرامة، والحفظ من الشيطان، وتحدث لك عفة من اتباع الشهوات التى تهلك الإنسان فى الدنيا والآخرة.
4- ومن أجمل ما قيل عن السعادة، ما قاله ابن القيم: أطباق (أسباب) السعادة ثلاثة:
الأول: نِعَم من الله تترادف على العبد، فقيدها الشكر وهو مبنى على ثلاثة أركان الاعتراف بها باطنًا، والتحدث بها ظاهرًا، وتصريفها فى مرضاة الله (وليها ومسديها ومعطيها).
الثانى: مِحَن من الله تعالى يبتلى بها العبد، ففرضه فيها الصبر والتسلى والصبر هو حبس النفس عن السخط بالمقدور، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية كاللطم وشق الثياب.
الثالث: التوبة من الذنب: فإذا أراد الله بعبده خيرًا فتح له باب التوبة والندم، والانكسار والذل والافتقار إليه، والاستعانة به، ودوام التضرع، والدعاء والتقرب إليه ما أمكن.