الزهد بعضه فرض
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل».
الزهد مقام شريف من مقامات السالكين، وهو انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه كانصراف رغبته عن الدنيا عدولاً إلى الآخرة، أو عن غير الله تعالى عدولاً إلى الله تعالى. فالزهد يستدعى مرغوبًا عنه ومرغوبًا فيه، ولا بد أن يكون المرغوب عنه مطلوبًا (محتاجًا إليه) فى نفسه فمن رغب عما ليس مطلوبًا فى نفسه لا يسمى زاهدًا، وتارك الحجر والتراب لا يسمى زاهدًا، وإنما يسمى زاهدًا من ترك الدراهم والدنانير قال تعالى: ]زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ[ [آل عمران 14] وقال تعالى: ] وَمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ[ [العنكبوت 64].
وعن ابن عمر رضى الله عنهما {، قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبى، فقال: «كن فى الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل» وكان ابن عمر رضى الله عنهما يقول: «إذا أمسيت، فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك».
فعلى الإنسان ألاَّ يركن إلى الدنيا ولا يتخذها وطنًا، ولا يحدث نفسه بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها ولا يتعلق بها إلا بما يتعلق به الغريب فى غير وطنه ولا يشتغل فيها إلا بما يشتغل به الغريب الذى يريد الذهاب إلى أهله.
ولكن هل لنا أن نسأل أنفسنا سؤالاً ما الذى يحمل الإنسان على أن يكون زاهدًا؟
قال إبراهيم بن أدهم. الزهد ثلاثة أقسام:
زهد فرض وهو الزهد فى الحرام.
زهد فضل وهو الزهد فى الحلال.
زهد السلامة فهو الزهد فى الشبهات.
وأضاف ابن القيم: الزهد فى الناس، الزهد فى النفس بحيث تهون عليه نفسه فى الله. والزهد الجامع لذلك كله هو الزهد فيما سوى الله وفى كل ما يشغلك عنه.
والسبيل إلى الزهد يتخلص فى:
استحضار الآخرة ووقوف العبد بين يدى خالقه فى يوم الحساب والجزاء فحينئذٍ يغلب شيطانه وهواه، ويصرف نفسه عن لذائذ الدنيا.
عن عبد الله بن عمرورضى الله عنهما { قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه» رواه مسلم.
والفَلاَح اسم جامع لحصول كل مطلوب محبوب والسلامة من كل خوف مرهوب، فإن الإسلام هو دين الله الذى لا يقبل سواه، ثم تحصيل الرزق الذى يكفيه ويكف وجهه عن سؤال الخلق ثم تتم عليه النعمة بأن قنّعه الله بما آتاه، أى حصل له الرضى بما أوتى من الرزق والكفاف، ولم تطمح نفسه لما وراء ذلك: فقد حصل له حسن الدنيا والآخرة فإن المسلم قد يبتلى بفقر ينسى، أو غنًا يطغى وكلاهما ضرر ونقص كبير وإما أن يحصل له الرزق الكافى موسعًا كان أو مقدرًا ولكنه لا يقنع برزق الله ولا يطمئن قلبه بما آتاه الله فهذا فقير القلب والنفس. فإنه ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى القلب. ]وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى[ [طه 131].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أردت أن يحبك الله فازهد فى الدنيا» رواه ابن ماجه.
ولكن فما هى علامات الزهد؟
للزهد علامات منها:
العلامة الأولى: أن لا يفرح بموجود ولا يحزن على مفقود. قال الله تعالى: ]لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ[ [الحديد 23].
بل ينبغى أن يكون بالضد من ذلك: وهو أن يحزن بوجود المال، ويفرح بفقده.
العلامة الثانية: أن يستوى عنده ذامه ومادحه، فالأول علامة الزهد فى المال. والثانى علامة الزهد فى الجاه.
العلامة الثالثة: أن يكون أُنسه بالله تعالى والغالب على قلبه حلاوة الطاعة له سبحانه.