الرضا
]إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ[ [البينة 7، 8].
اعلم أن الوصول إلى الرضا أمر يسير على من يسَّره الله عليه فليكن جهدك كله للوصول إلى الرضا. أن تُرضى ربك وتَرضى أنت عن ربك، وإليك طريق الوصول إلى الرضا، فعن ثوبان رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال حين يصبح رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، وبالقرآن إمامًا، كان على الله أن يرضيه يوم القيامة» رواه البخارى.
وهذا التابعى الجليل عروة بن الزبير فقد قرَّر أهل الطب فى زمنه قطع رجله لمرض أصابها، فإن تركوها أضر ذلك بقية جسمه، فقطعوها من ركبته، فلم يقنط من رحمة الله وشاء القدر أن يُبتلَى على قدر إيمانه.. ففى هذه الليلة سقط ابن له من سطح فمات. فدخلوا عليه فعزُّوه فيه فقال: اللهم لك الحمد كانوا سبعة فأخذت واحدًا وأبقيت لى ستة وكان لى أربعة أطراف فأخذت واحدًا وأبقيت لى ثلاثة.. فإن كنت أخذت فقد أعطيت.. ولئن كنت ابتليت فقد عافيت.. أَبَعْدَ ذلك نَرَاكَ تسخط؟! ولكى يسترح قلبك وكنت ممن ضُيق عليه رزقه فاعلم أن ذلك ليس لهوانك على الله، ولكن الله يعطى الرزق لعباده كيفما يشاء، اختبارًا لهم، فمنهم من يؤدى حقه ومنهم من يدفعه ذلك إلى الطغيان والبغى على خلقه.
قال قتادة: خير العيش ما لا يلهيك ولا يطغيك.
فاعلم أن الله يريد صلاحك، وهو أعلم بذلك فكما جاء فى الحديث «إن من عبادى من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه» فعلى الفقير أن يرضى بما قسم الله، بل ويفرح بأن الفقراء أول من يسكنون الجنة بجوار النبى المصطفى صلى الله عليه وسلم، وليعلم الفقير أن الفقر خير له فى دينه ودنياه، فقد يحدث ما يندم عليه لو كان غنيًا، وقد يقع ما يودى بحياته أو يؤثر على دينه وخلقه.
وانظر إلى نوع آخر من الرضا فهذا يَرْضَى بالمصيبة ويَعِدُّها نِعمة إنَّه عمر بن الخطاب قال: ما أصابتنى من مصيبة إلا وجدت فيها ثلاثة نِعَمْ: الأولى:أنها لم تكن فى دينى، والثانية: أنها لم تكن أعظم مما كانت، والثالثة: أن الله يجازى عليها الجزاء الكبير. ثم تلا قول الله تعالى: ]أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ[ [البقرة 157].
فليعرف الرضا الطريق إلى قلبك، وابعد الحزن عنه وقل عندما تستيقظ «رضيت بالله ربًا»، واقرأ هذه القصة أيضًا لتشعر بمدى إنعام الله عليك ومدى تقصيرك فى حقه سبحانه ولتعلم أن السعادة ليست فى المال والجاه إنَّما التَّقِى هو السعيد.
مر أحد الصالحين على رجل مقطوع الذراعين والرجلين مستلقيًا على ظهره، والذباب يحوم عليه وهو يقول: الحمد لله فقال له: تحمد الله على ماذا؟! قال: أحمد الله على أن أبقى لى لسانًا ذاكرًا، وبدنًا على البلاء صابرًا، وقلبًا لله عز وجل شاكرًا.
فلتحمد الله على نعمه فكلما شكرته زادك، فشُكْر النعمة حفظ لها واستزادة، قال تعالى: ]وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ[ [سورة إبراهيم آية 7] ولا تكن ممن قيل فيهم على لسان ابن عمر رضى الله عنهما: «يا ابن آدم عندك ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك ابن آدم: لا بقليل تقنع، ولا بكثير تشبع... فكن راضيًا بقضاء الله صابرًا على بلائه وإياك والجزع والسخط. جاء فى الحديث القدسى: من لم يرض بقضائى، ولم يصبر على بلائى، فليتخذ له ربًا سواى وليستظل بسماء غير سمائى وليسكن أرضًا غير أرضى». وهيهات. هيهات لا مفر من قضاء الله، ولا هروب مما قدر الله. الرضا بالله رضا أى تكون عقيدتك قائمة على أساس أن الله هو الخالق الواحد الأحد الفرد الصمد لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لم يلد ولم يولد وليس أحد في صفاته وأفعاله. لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع ولا راد لقضائه ولا مبدل لحكمه ولا هادى لمن أضل ولا مضل لمن هدى، وإذا أراد شيئًا سبحانه فأمره بين الكاف والنون: ]إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ[ إذا علمت هذا فلم هذا الحزن يملأ قلبك. لما انشغالك بالدنيا وسعيك خلفها، وما هذا الحرص والخوف على فوات رزقك. أتراك تخاف أن يضل الرزق طريقه إليك؟ أم أنك تخاف أن ينساك خالقك؟ فاعمل على ألا ينشغل قلبك بغير مولاك؟ لا تتبع خطوات هواك؟ ولا تغفل عن ذكر الله حتى يطمئن قلبك بأن سيدك ومولاك قد ضمن لك الرزق، فلا تحزن على ما فاتك ولا تفرح بما أتاك، فليس المؤمن من إذا آتاه الله النعمة فرح لأنه فى رخاء وإذا منعه ربه فهو يسخط ويجزع وينظر إلى من فُضل عليه فى الرزق فيزداد حسرة، وهذا ما يريده الشيطان ألا ترضى عن ربك فيكون مصيرك معه إلى النار؟ فاحذر أخى من خطوات الشيطان وأخلص لربك فى الدعاء وارض بما آتاك وليكن لك قدوة فى سلفنا الصالح.