الإنفاق والبخل
قال الله تعالى: ]مَثَلُ الذَّيِنَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اَلله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلْ فِى كُلِّ سُنْبُلَةٍ مَائَةُ حَبَّة وَالله يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمْ[ [البقرة 261].
عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم يصبح العباد إلا وفيه ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول آخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا» رواه الترمذى.
]مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ[ أى إنفاقًا فى طاعته ومرضاته وأولاها إنفاقًا فى الجهاد فى سبيل الله ]كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ[ وهذا المثل أبلغ فى النفوس ففيه الإشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله عز وجل لأصحابها كما ينمى الزرع لمن بذره فى الأرض الطيبة وقد وردت الأحاديث بتضعيف الحسنة إلى سبعمائة ضعف. ]وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ[ هذه المضاعفة بحسب حال المنفق وإخلاصه وصدقه وبحسب حال النفقة وحلها ونفعها وموقعها ]وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ[ وتعظيم أجرها بغير حساب ]وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[ أي واسع الفضل والعطاء لا ينقصه نائل ولا يحفيه سائل ولا يتوهم المنفق أن تلك المضاعفة فيها نوع من المبالغة لأن الله تعالى لا يتعاظمه شيء ولا ينقصه العطاء على كثرته ومع هذا فهو عليم بمن يستحق هذه المضاعفة ومن لا يستحق فيضع المضاعفة فى موضعها لكمال علمه وحكمته.
عن أنس رضى الله عنه قال: «كان أبو طلحة رضى الله عنه أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل وكان أحب أمواله بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماءها الطيب، قال أنس: قلما نزلت هذه الآية ]لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ[ قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: إن الله تعالى أنزل عليك ]لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ[ [آل عمران 92] أو إن أحب مالى إليَّ "بيرحاء" وأنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بخ! ذلك مال رابح. ذلك مال رابح. وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها فى الأقربين فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة فى أقاربه وبنى عمه) متفق عليه.
ويرشدنا الله إلى الإنفاق من المال الطيب الحلال وليس من المال العطب أو الذى فيه شبهة بقوله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيد[ [البقرة 267] قال ابن عباس: أمرهم ربهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئه فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا ]وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ[ أي تقصدوا الخبيث لتنفقوا منه ولو أُعطيتموه ما أخذتموه إلا أن تتغاذوا فيه فالله أغنى عنه منكم فلا تجعلوا لله ما تكرهون، فلا يجوز للإنسان أن يتصدق بما تلف من الطعام وكان أولى أن يتصدق به قبل أن يتلف، وعن عائشة رضى الله عنها قالت: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بضب فلم يأكله ولم ينه عنه، قلت: يا رسول الله نطعمه للمساكين؟ قال: لا تطعموهم مما لا تأكلون» رواه أحمد فى مسنده.
وكان عبد الرحمن بن عوف - أو سعد بن أبي وقاص يطوف بالبيت وليس له دأب إلا هذه الدعوة: رب قنى شح نفسى، رب قنى شح نفسى فقيل له: أما تدعو بغير هذه الدعوة؟ فقال: «إذا وقيت شح نفسى فقد أفلحت».
أوجه الإنفاق كما وضحها الله سبحانه وتعالى: ]يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ[ [البقرة 215].
ولعلك تدرك كرم الله فى قوله تعالى: ]مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ[ [الأنعام 160].
أما عن البخل اقرأ معى عقاب الله للبخيل قال تعالى: ]وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ[ [آل عمران 180] أي لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه بل هو مضرة له فى دينه وربما كان فى دنياه ثم أخبر الله بمآل أمر ماله يوم القيامة، ]سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ[ من مال أو علم أو جاه وغير ذلك ممن منحهم الله روى البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثِّل له شجاعًا أقرعًا له زبيبتان يطوقه يوم القيامة يأخذ بهلزمتيه - يعني شدقيه - يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية ]وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ[» [آل عمران 180]. وقال العوفي عن ابن عباس نزلت هذه الآية فى أهل الكتاب الذين يبخلون بما فى أيديهم من الكتب المنزلة أن يبنوها، واقرأ معى جزاء من يكنز الذهب والفضة ويحرمون النفقة على من يستحقون قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ[ [التوبة 34] ] وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ[ أي يمسكونها عن الإنفاق فى سبيل الله والطرق الموصلة إليه وهذا هو الكنز المحرم، أي إمساكها عن النفقة الواجبة أو الإنفاق على الزوجة أو الأقارب أولئك ]فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ[ وهذا العذاب منه ]يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا[ على هذه الأموال ]فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ[ كلما بردت أعيدت فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ويقال لهم توبيخاً ولوماً (هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) وهذا العذاب واجل واجب لهم لأحد أمرين: إما أنهم ينفقون هذا المال فى الباطل الذى لا يجدى نفعًا بل يجلب الضرر كإنفاقها فى المعاصى والشهوات والصد عن سبيل الله والأمر الآخر هو الإمساك عن إخراجها فى الواجبات وفى مصارفها الشرعية والضرورية.
والسخى قريب من الله تعالى ومن خَلْقِه ومن أهله، وقريب من الجنة وبعيد عن النار، والبخيل بعيد من خَلقه بعيد من الجنة قريب من النار، فجود الرجل يُحَبِبه إلى أضداده. وبُخلُه يبغضه إلى أولاده. والكريم المتصدق يعطيه الله ما لا يعطى البخيل ويوسع عليه فى ذاته وخلقه ورزقه ونفسه وأسباب معيشته جزاء له من جنس عمله.
وحد السخاء: بذل ما يُحتاج إليه عند الحاجة، وأن يوصل ذلك إلى مستحقه بقدر الطاقة، وليس - كما قال بعض من نقص علمه - حد الجود بذل الموجود. ولو كان كما قال هذا القائل لارتفع اسم السرف والتبذير وقد ورد الكتاب بذمهما وجاءت السنة المحمودة بالنهى عنهما.
وإذا كان السخاء محمودًا فمن وقف على حده سمى كريمًا وكان للحمد مستوجبًا، ومن قصرعنه كان بخيلاً، وكان للذم مستوجبًا، وقد روى فى أثر: إأن الله عز وجل أقسم بعزته ألا يجاوره بخيل.
والسخاء نوعان: فأشرفهما: سخاؤك عما بيد غيرك، والثاني: سخاؤك ببذل ما ى يدك، فقد يكون الرجل من أسخى الناس وهو لا يعطيهم شيئًا؛ لأنه سخاء عما فى أيديهم. وهذا معنى قول بعضهم: السخاء أن تكون بمالك متبرعًا وعن مال غيرك متورعًا.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام: «أتدرى لما اتخذتك خليلاً؟ قال: لا. قال: لأنى رأيت العطاء أحب إليك من الأخذ».