الغيبة
{ولا يغتب بعضكم بعضاً}
قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات:12].
اعلم أنه ينبغى لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاماً ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه فى المصلحة، فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد يجر الكلام إلى حرام، أو مكروه. أي قد يتحول الكلام المباح إلى غيبة.
والغيبة إذن: ذكرك أخاك بما يكرهه، سواء ذكرته بنقص فى بدنه أو نسبه، أو خلقه، أو فعله، أو فى دينه، أو فى دنياه حتى فى ثوبه وداره ودابته. فعن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرون ما الغيبة؟" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "ذكرك أخاك بما يكره". قيل: أفرأيت إن كان فى أخى ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته". أي: (افتريت عليه الكذب).
ولا يقتصر معنى الغيبة على الذكر باللسان والإطلاق بالقول والنطق فقط وإنما يتسع حتى يشمل التعريض والتلميح والإشارة والهمزة والكتابة، والحركة.. إلخ، وما كان تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغيبة إلا لأنها: شرر يتطاير من الألسنة فيحرق القلوب، ويفسد العلاقات والروابط بين الناس ويورث فيهم الحقد والفتنة، فهى قبيحة من القبائح التى لا تليق بالعاقل الرشيد والنابه الحصيف أن يسعى إليها، ولا أن يكون سبيلها ولا يسمح بأن تجرى وتمتد فى حضوره وعلى مسمعه، وكما تحرم الغيبة على القائل تحرم أيضا على المستمع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المستمع أحد المغتابين" رواه الترمذى.
فيجب على من سمع غيبة محرمة أن ينهى عنها إن لم يخف ضرراً ظاهراً، فإن لم يستطع فيجب أن يفارق المجلس إن أمكن.
أما النميمة: فمعناها نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد، لذا فقد ذم الله سبحانه وتعالى صاحب هذه الفعلة بقوله: { وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} [القلم: 10-11] فالسعى بين الناس بأخبار السوء بقصد الفتنة، والإيقاع بينهم، من أخبث الصفات، وأنذل الهيئات التى تلتصق بالنفس البشرية، ويكفى النمام خسة أنه يزرع الأمراض فى النفوس الصحاح، فيكون كالجرثومة التى تنقل الوباء، وكالشرارة التى توقد نيران الحقد والعداوة بين الناس لذا كان عقاب النمام العذاب، والحرمان من دخول الجنة: فعن ابن عباس رضى الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: مر بقبرين فقال: "إنهما يعذبان وما يعذبان فى كبير! بلى إنه كبير: أما أحدهما فكان يمشى بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من بوله" متفق عليه.
قال العلماء: معنى: "وما يعذبان فى كبير" أى : كبير فى زعمهما، وقيل: كبير تركه عليهما. وعن حذيفة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة نمام" صحيح مسلم.
كفارة المجلس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جلس فى مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك إلا غفر الله له ما كان فى مجلسه ذلك" رواه أبو داود والترمذى.