العودة للصفحة الرئيسية

اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات
{ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الأزِفَةِ إِذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر:18].
وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء".رواه مسلم
فأيها المظلوم كن واثقا من عدل الله فإن الله مُقتص حقك ولو بعد حين فالله يملى للظالم ويتركه فإن رجع وتاب وأعاد الحقوق لأصحابها فقد اشترى نفسه وبرأت ذمته وإن تمادى فى ظلمه فإن عاقبته أسود من الليل البهيم، فعن أبى موسى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليُملى للظالم فإذا أخذه لم يفلته ثم قرأ: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِى ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود:102].
ألا يكفى الظلم ذلاً، وامتهاناً أن يكون أخاً للظلام، إنهما من أصل واحد فى اللغة والطبيعة والمنشأ، فالظلام يحل حين يرتحل النور، والظلم يُقبل حين يغيب ضياء العقل وصفاء النفس وسلامة الحياة، بل هو للعقل ظلام وللنفس اعتكار وللحياة سقم، لا يصحبه إلا الدمار ولا يجنى منه زارعوه إلا الويل والعار. قال النبى صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الظلم فإنه ظُلمات يوم القيامة".رواه مسلم
والظلم معناه: وضع الشيء فى غير موضعه، وأصله الجور، وتجاوز الحد، وقد نزَّه الله سبحانه وتعالى نفسه عن الظلم فقال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} [النساء:40]، وقال: { مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [ق:29].
ففى الآيتين السابقتين نفى الله سبحانه وتعالى الظلم عن نفسه وذلك يدل على إثبات كمال عدل الله، ولم يقتصر الأمر على تنزيه الله سبحانه وتعالى نفسه عن الظلم، بل إن الله سبحانه وتعالى حرَّم الظلم وجعله بين العباد محرماً، ففى الحديث القدسى عن أبى ذر الغفارى رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: "يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا.." رواه مسلم، وقد جاء فى محكم التنزيل أوصاف الظالمين وصفاً دقيقاً محكماً. قال تعالى: { الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ} [الأعراف:45]، فالظالمون لا يسيرون على طريق الجادة والشرع، بل إنهم لا يكتفون بذلك فيقفون عقبة أمام الصالحين الذين يبغون شرع الله ويدعون الناس إلى اتباع سيرهم الأعوج.
أنواع الظلم: الظلم نوعان:
الأول: ظلم العبد لنفسه وأعظمه هو الشرك بالله تعالى كما فى قوله: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ أَنْ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرُ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اَللهَ غَنِىٌ حَمِيدْ} [لقمان:13]، وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة:254]؛ لأنَّ المشرك جعل المخلوق فى منزلة الخالق وعبده مع الله تعالى المنزه عن الشريك، والعبد حين يشرك بالله أو يظلم غيره فإنه يكون قد ظلم نفسه ظلماً عظيماً قال تعالى: { وَمَا   ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة:57]، وإن مات العبد على هذه الحالة فمصيره إلى النار والعياذ بالله، ويندرج تحت هذا النوع ارتكاب الكبائر والفواحش والآثام فهى ظلم للنفس ولكنها بين العبد وربه إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه.
الثانى: ظلم العبد للعبد: لا يتركه المولى فمن كمال عدله سبحانه أن يقتص الخلق بعضهم من بعض يوم القيامة بقدر مظالمهم، وقد تكرر تحريمه والتحذير منه فى أحاديث كثيرة، فعن أبى موسى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليملى للظالم فإذا أخذه لم يفلته ثم قرأ: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِى ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102].
صور الظلم
وصور الظلم متعددة أكثر من أن تحصى ومن أشد أنواع الظلم على النفس هو:
- أكل الحقوق بالباطل وخاصة أكل مال الإرث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من فرَّط من ميراث وارثه قطع الله ميراثه فى الجنة" رواه ابن ماجه فى كتاب الوصايا، فالحديث يشير إلى التهاون فى رعاية الميراث كأن يكون صاحبه من القُصَّر الذين لم يبلغوا الرشد بعد أو فاقدى الأهلية لنقص فى العقل أو الجنون، فإننا نجد فى بعض المجتمعات من يستولى على تركة المورث فإذا مات الوالد استولى أحد الأبناء على تركة الأب وعطَّل شرع الله فحجب حق إخوته البنات بحجة ألا يذهب مال أبيه إلى الأغراب جالباً لنفسه ولأبيه الهلكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ظَلم قيد شبر من الأرض طُوقه من سبع أرضين".متفق عليه
وللعلماء أقوال: أن الظلم ولو بمقدار شبر يعاقب يوم القيامة بالخسف إلى سبع أرضين فما بالك بمن يظلم بالقراريط والأفدنة ولا ندم وإن كان المورث هو الذى أوصى بحرمان بناته من التركة فقد اعترض على شرع الله ونعوذ بالله أن نكون من الكافرين ونعوذ بالله من سوء الخاتمة، فنسأل الله العظيم أن يجعلنا ممن يرضي بشرع الله فنقيم حدوده ونعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه.
- أكل أموال الناس بالباطل: قال المصطفى صلى الله عليه وسلم:  "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمين فقد أوجب الله له النار وحرَّم عليه الجنة فقال رجل: وإن كان يسيراً يا رسول الله؟ فقال: وإن كان قضيباً من أراك" أى (السواك) أخرجه مسلم.
- قتل النفس: التى حرَّم الله إلا بالحق ولذا قال المولى: { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء:93].
- شهادة الزور: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "لا تزول قدما شاهد الزور يوم القيامة حتى تُجَب له النار" أخرجه ابن ماجه، فشهادة الزور لا تضر صاحبها فقط، وإنما ضررها متعدد الآثار فيترتب عليها كثير من المظالم فربما أخذت حق إنسان وأعطته آخر لا يستحقه.
- مطل الغَنِىّ فى سداد دينه:
قال الله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } [النساء:58] وقال أيضاً: { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة:283]. ومن تمام أداء الأمانات أن تُؤَدَّى فى وقتها المتفق عليه، لأن التأخير فى سدادها مع القدرة عليها وإن توفرت النية فى تأديتها نوع من الظلم لأن فيه تأخير للمصالح وربما تؤدى إلى تعطيل فعل الخير الذى يقوم به بعض القادرين فيكون بذلك منع تفريج الكروب على المعسرين والمحتاجين لقول النبى صلى الله عليه وسلم: "مطل الغنى ظلم، وإذا أُتبع أحدكم على مليء فليتبع". أتبع: أحيل.
- الحجة (الباطلة) على صاحبها:
عن أم سلمة رضى الله عنها أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أنا بشر، وأنكم تختصمون إلىّ ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له بنحو ما أسمع، فمن قضيتُ له بحق أخيه فإنَّما أقطعُ له قطعة من النار" متفق عليه. أى إذا تقاضى خصمان أمام القاضى وأخذ القاضى بحجة أحدهما لفصاحته، أو لاحتياله حيلة على القاضى، فقضى له بحق ليس حقه فيكون قد وقع الظلم على أخيه، فقد اقتطع قطعة من النار ومأواه جهنم وبئس المصير.
- عاقبة الظلم:
إن الله لا يظلم شيئاً فكما تَدين تُدَان قال تعالى: { إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى:42]، وإن ندم الظالم وأراد أن يعتذر عما اقترفته يداه، فلن يفيده ذلك: { يَوْمَ   لاَ   يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر:52].
- الظلم يهلك الأمم:
فقد بيَّنَ القرآن أنَّ عاقبة الظلم وخيمة ليس على مستوى الأفراد فحسب وإنَّما أيضاً يُهلِك ويُدمِر الأُمَم قال تعالى: { وَتِلْكَ القُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً} [الكهف:59]، وقال تعالى: { فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [النمل:52] فلا ريب إذن أن إقامة العدل فى التعامل بين الناس وتحريم الظلم فيما بينهم من أهم مقاصد وأهداف الإسلام ذلك أن العدل أساس فى تشييد صرح أى حكم، أو حضارة كما أن الظلم سبب فى انحطاط الأمم وتدمير الحضارات وفقدان السعادة فى هذه الحياة ونيل سخط الله فى الآخرة.