حُسن مُعاشرة الأزواج
قال تعالى: ]وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[
لقد أضفى الإسلام احترامًا وقدسية على العلاقات الأسرية – والعلاقة الزوجية خاصة – احترامًا كما لم يكن فى شريعة أو قانون من قبله أو بعده، فقد كانت الزوجة قبل الإسلام فى بعض الشرائع بمثابة العبد أو الأمة فلم يكن لها أدنى اعتبار وليس لها أية حقوق، ثم رأينا الحضارة الغربية تفرط تفريطًا مشينًا فأعطت المرأة حقوقًا أكثر من اللازم وتركت لها الحبل على الغارب حتى أصبحت هى سيد المنزل تتركه وقت ما تريد وتدعو إليه من تريد، حتى صارت العلاقة بين الزوج وزوجته مجردة من الألفة والمودة التى هى أساس الأسرة فانهارت كثير من الأسر وتحللت كثير من المجتمعات.
لقد أمر الله سبحانه وتعالى الأزواج بحسن معاشرة زوجاتهم فى قوله تعالى: ]وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ[ [النساء 19] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيرًا» ولم يأت هذا التوجيه النبوى من فراغ بل جاء فى موضعه فالله أعلم بضعفهن وهو أعلم بما تتحمله المرأة من عناء ومشقة فى الحمل والوضع، وتربية الولاد، قال تعالى: ]وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ[ [لقمان 15] فيوصى الله والرسول صلى الله عليه وسلم الرجالَ بالصبر على النساء والترفق بهن ونصحها بالكلمة الطيبة وجعل التأديب بالضرب من آخر المراحل وفى نطاق ضيق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون فى شيءٍ إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» رواه مسلم.
جاء رجل ذات يوم إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه وهو أمير المؤمنين يشتكى زوجته فوجد زوجة عمر أشبه بزوجته فقال له سيدنا عمر: يا أخى تحملتنى فى تربية أولادى وفى إعداد طعامى وفى تنظيم بيتى وملابسى ألا أتحملها فى شيء؟ وتأمل معى رحمة سيدنا عمر رضى الله عنه بزوجته ونصيحته للرجل، ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»أخرجه الإمام أحمد فى مسنده.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يساعد دائمًا فى عمل أهل بيته يخصف نعله ويصلح ثوبه.
أمر نبوى بحسن عشرة النساء:
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضى منها آخر» أخرجه مسلم.
لا يفرك أى لا يكره أو يبغض وهذا الإرشاد من النبى صلى الله عليه وسلم للزوج فى معاشرة زوجته من أكبر الأسباب والدواعى إلى حسن العشرة بالمعروف فنهى المؤمن عن سوء عشرته لزوجته وأمره أن يلحظ ما فيها من الأخلاق الجميلة وأن يجعلها فى مقابلة ما كره من أخلاقها فإن الزوج إذا تأمل ما فى زوجته من الأخلاق الجميلة والمحاسن التى يحبها ونظر إلى السبب الذى دعاه إلى التضجر منها وسوء عشرتها رآه قليلاً وأن ما فيها مما يحب أكثر فإن كان منصفًا غض عن مساوئها وأما عن غض عن المحاسن ولحظ المساوئ ولو كانت قليلة وهذا من عدم الإنصاف ولا يكاد يصفو مع زوجته.
والناس فى هذا ثلاثة أقسام:
1- أعلاهم قدرًا: من لحظ الأخلاق الجميلة والمحاسن وغض عن المساوئ بالكلية وتناساها.
2- وأقلهم توفيقًا وإيمانًا وأخلاقًا: من عكس القضية فأهدر المحاسن وجعل المساوئ نصب عينيه وربما عددها وبسطها وفسرها بظنون وتأويلات يجعل القليل كثير.
3- القسم الثالث: من لحظ الأمرين ووازن بينهما وعامل الزوجة بمقتضى كل واحد منهما. وهذا منصف ولكنه قد حرم الكمال.
تذكرة إلى الزوجات:
الرسول صلى الله عليه وسلم يحث المرأة على طاعة زوجها وحسن معاشرته.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» رواه الترمذى، كما أنه يمتدحها فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة» رواه مسلم والنسائى وابن ماجه.
صفات الزوجة الصالحة:
1- إذا نظر إليها سرته.
2- إذا غاب عنها حفظته فى نفسها وماله.
3- وإذا أمرها أطاعته.
4- ولا تفش سره خارج البيت.
5- أن تحسن معاملة أهل زوجها.
6- أن تخدم زوجها وأولادها دون منه.
فيا أيتها الزوجة لا تضيعى ثوابك بالثرثرة وإفشاء أسرار بيتك وإيذاء جيرانك، حلى مشاكلك مع زوجك بنفسك إلجأى إلى الله بالدعاء والصلاة هو أرحم الراحمين. الأعمال التى تقومى بها كفيلة أن تدخلك الجنة إن صلحت النية، وكانت الأعمال خالصة لوجه الله وابتغاء مرضاته قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[ [الممتحنة 12]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت» رواه البخارى ومسلم.
وعن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها ادخلى الجنة من أي أبواب الجنة شئت» أخرجه أحمد والطبرانى.
وفى مسألة عمل المرأة فى بيت زوجها:
ورد أن ابن حبيب قال: حكم النبي صلى الله عليه وسلم بين على بن أبى طالب وبين زوجته فاطمة رضى الله عنها حين اشتكيا إليه من الخدمة فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنة - خدمة البيت - من عجين، وطبخ، وفرش، وكنس البيت، واستسقاء الماء، وعمل البيت كله، وحكم على عَلِى رضى الله عنه بالخدمة الظاهرة - من نفقة وكسوة ومسكن، ففى الصحيحين أن فاطمة رضى الله عنها أتت النبى صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى فى يديها من الرحا وتسأله خادمًا فلم تجده فذكرت ذلك لعائشة رضى الله عنها فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته. قال على رضى الله عنه: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا فتهيأنا نقوم فقال: "مكانكما" فجاء فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على بطنى فقال: «ألا أدلكما على ما خير لكما مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما فسبحا الله ثلاثًا وثلاثين واحمدا ثلاثًا وثلاثين وكبرا أربعًا وثلاثين، فهو خير لكما من الخادم».
وصح عن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها أنها قالت كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله وكان له فرس وكنت أسوسه وكنت أحش له وأقوم عليه، وصح عنها أنها كانت تعلف فرسه وتسقى الماء وتخرز الدلو وتعجن وتنقل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ.
فللعلماء فى مسألة خدمة المرأة فى بيت زوجها رأيان:
الأول: منعت طائفة وجوب خدمتها وممن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله وأهل الظاهر.
قالوا: لأن عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام وبذل المنافع، قالوا والأحاديث الواردة إنما تدل على التطوع ومكارم الأخلاق.
والرأى الثانى: أوجب طائفة من العلماء خدمة الزوجة لزوجها فى مصالح البيت واستدلوا على ذلك بأن فاطمة رضى الله عنها كانت تشتكى ما تلقى من الخدمة فلم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم لعلى رضى الله عنه لا خدمة عليها وإنما هي عليك وهو صلى الله عليه وسلم لا يحابى أحدًا.
ولما رأى أسماء رضى الله عنها والعلف على رأسها والزبير معه لم يقل له لا خدمة عليها وأن هذا ظلم لها بل أقره على استخدامها وأتى سائر أصحابه على استخدام أزواجهن على علمه بأن منهن الكارهة والراضية هذا أمر لا ريب فيه.
ولا يصح التفريق بين شريفة ودنيئة وفقيرة وغنية فهذه فاطمة رضى الله عنها أشرف نساء العالمين كانت تخدم زوجها وهذه أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما تحمل على رأسها العلف.
ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله فى النساء فإنهن عوان عندكم» العانى: هو الأسير.
* * *
تذكرة من الله ورسوله لبناتنا ونسائنا:
قال الله تعالى: ]وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ [النور 30/31]. ]مَا ظَهَرَ مِنْهَا[ المقصود الوجه والكفين ]وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ[ أى رداء يغطى الرأس والعنق والصدر قال الله تعالى:( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْروفاً) [الأحزاب 32] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا أجسامكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» رواه مسلم.