العودة للصفحة الرئيسية

الكِبْر بطر الحق
]وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الجِبَالَ طُولاً[ [الإسراء: 37].
إن القرآن العزيز يصرح تصريحًا بالغًا بالابتعاد عن الزهو والكبر والتزام التواضع والمرونة ولين الجانب، فقد جاء على لسان لقمان وهو يعظ ابنه ]وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ[ [لقمان/ 18]، ثم يقول المولى فى موضع آخر: ]ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً[ [الإسراء 39].
فمن الحكمة أن لا يختال الإنسان ولا يتكبر، ولا يتطاول مزهوًا بما ميزه الله به على الآخرين، لأن ما يزهو به إن كان مالاً أو جاهًا أو سلطانًا لن يدوم، وإن كان علمًا فهو فتنة اُبتلى بها ولا بد أن يجرى عليه العقاب لكى ينال جزاء ما وقع به من الاختيال والتطاول. وما أصعب أن يكون العقاب هو الحرمان من الجنة:
فعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ،عن النبى  صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال ذرة من كِبر» فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة؟ قال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق وغمط الناس» صحيح مسلم.
ويكفى أن نعلم أن الكبر هو أول ذنب ارتكب فى السماء وكان سببًا لطرد إبليس من الجنة حين امتنع عن تنفيذ أمر الله والسجود لآدم: ]قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ[ [الحجر 33] وقال تعالى: ]قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ[ [الأعراف 12].
وقد رضى الله تعالى أن يوصف بعض بنى آدم بصفات من صفاته العليا ولكن سبحانه وتعالى لم يرض أن يوصف غيره بالمتكبر فقال جل وعلا فى حديث قدسى «العظمة ردائى، والكبرياء إزارى فمن نازعنى فيهما قصمته ولا أبالى».
وفى الصحيحين عن أبى هريرة رضى الله عنه مرفوعًا: «أخنع اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك ولا مالك إلا الله» وفيهما عنه عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: «يقبض الله الأرض ويطوى السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟».
أمثلة لعاقبة المتكبرين فى القرآن الكريم:
- فرعون تكبَّر بسلطانه فقال: ]أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى[ [النازعات 24/25] وكان من المغرقين.
- قارون تكبَّر بماله وقال: ]إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِى[ [القصص: 78]، ]فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ   لاَ   يُفْلِحُ الكَافِرُون[ [القصص 81/82].
- النمرود الذى أراد أن ينازع الجليل فى إزاره فقال: ]أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ[ [البقرة: 258] وبعث الله إليه ملكًا يأمره بالإيمان بالله فأبى ثم دعاه الثانية فأبى عليه ثم دعاه الثالثة فأبى عليه وقال: اجمع جموعك، وأجمع جموعى. فجمع النمرود جيشه وقت طلوع الشمس فأرسل الله عليهم ذبابًا من البعوض فأكلت لحومهم ودمائهم وتركتهم عظامًا بالية ودخلت واحدة منها فى منخر الملك فمكثت فى منخره أربعمائة سنة عذَّبه الله بها فكان يضرب رأسه بالمرازب فى هذه المدة حتى أهلكه الله عز وجل بها.
التواضع
خُلُق كسائر الأخلاق له طرفان، وواسطة، فطرفه الذى يميل إلى الزيادة يسمى تكبرًا، وطرفه الذى يميل إلى النقصان يسمى تخسسًا ومزلة والوسط يسمى تواضعًا، والمحمود أن يتواضع المرء فى غير مذلة ومن غير تخاسس، فإن كلا طرفى الأمور ذميم وأحب الأمور إلى الله تعالى أوسطها ولقد حثَّ القرآن الكريم على التحلى بهذه الصفة فقال تعالى: ]وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ[ [الشعراء 215] وقال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[ [المائدة 54].
وذُكر عن عمران بن موسى القصير: قال قال موسى u: «يا رب أين أبغيك؟ قال: ابغنى عند المنكسرة قلوبهم، فإنى أدنو منهم كل يوم باعًا، ولولا ذلك انهدموا».
وجاءت السنة النبوية الشريفة حاملة هذه الدعوة الطيبة، فعن عياض بن حمار رضى الله عنه قال: «قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: إن الله أوحى إلىَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغى أحد على أحد». وقال  صلى الله عليه وسلم: «من تواضع لله رفعه». أخرجه أبو نعيم وصححه الألبانى. وقال  صلى الله عليه وسلم: «اعلم أنك لا تسجد لله سجدة إلا رفع الله لك بها درجة وحطَّ عنك بها خطيئة» رواه أحمد فى مسنده.
وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».
فعلينا أن نتحلى بهذا الخلق الطيب ممتثلين لأمر الله تعالى فى قوله: ]فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى[ [النجم 32].
أمثلة للمتواضعين: سليمان عليه السلام الذي عُلِّم منطق الطير وأوتي من كل شيء قال تعالى: ]حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ[ [النمل 17/19] ولما جاءه عرش بلقيس ووجده بين يده – وكان فى الطرف الجنوبى من الجزيرة العربية وهو جالس على عرشه فى بيت المقدس فى شمال الجزيرة العربية – لم يستشعر الكبرياء فى قلبه ولم يتسلل الشيطان إليه ويصيبه بالغرور، ولم تُسول له نفسه السوء... ولكنه على الفور تذكر قدرة القدير وعلم أن ذلك أنما هو اختبار منه سبحانه. وهو أعلم به. القائل: ]فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِراًّ عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي ءأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ[ [النمل: 40]
المصطفى  صلى الله عليه وسلم فى غزوة الخندق قام كل صحابى بعمل وقال  صلى الله عليه وسلم: «وأنا عليَّ جمع الحطب».
عُمر بن الخطاب عند فتح بيت المقدس وفى نشوة الانتصار، وفرحة الفتح وفى طريقه لاستلام مفاتيح القدس، عرضت عليه مخاضة، فنزل عن بعيره، وقلع موقيه فأمسكهما بيده، فخاض عمر الماء، ومعه بعيره، فقال له أبو عبيده: قد صنعت عظيمًا عند أهل الأرض، صنعت كذا وكذا، قال: فصك فى صدره، وقال: أوه لو غيرك يقولها يا أبا عبيده، إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس فأعزكم الله بالإسلام فمهما تطلبوا العِزة بغير الله يُذِلكم الله.